القرطبي

303

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ( 186 ) هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى : لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والارزاء بالانفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع . والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب . وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها . ( ولتسمعن ) إن قيل : لم ثبتت الواو في " لتبلون " وحذفت من " ولتسمعن " ، فالجواب أن الواو في " لتبلون " قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين ، وخصت بالضمة لأنها واو الجمع ، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها ، وحذفت من " ولتسمعن " لان قبلها ما يدل عليها . ولا يجوز همز الواو في " لتبلون " لان حركتها عارضة ، قاله النحاس وغيره . ويقال للواحد من المذكر : لتبلين يا رجل . وللاثنين : لتبليان يا رجلان . ولجماعة الرجال : لتبلون . ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهوديا يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء . ردا على القرآن واستخفافا به حين أنزل الله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " [ البقرة : 245 ] فلطمه ، فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت . قيل : إن قائلها فنحاص اليهودي ، عن عكرمة . الزهري : هو كعب بن الأشرف نزلت بسببه ، وكان شاعرا ، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويؤلب عليه كفار قريش ، ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث [ إليه ] ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة المشهورة ( 2 ) في السير وصحيح الخبر . وقيل غير هذا . وكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون ، فكان هو وأصحابه يسمعون أذى كثيرا . وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أبي : إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ! ارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه . وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار ، فقال

--> ( 1 ) في ج وه‍ وز . ( 2 ) راجع سيرة ابن هشام ص 548 طبع أوروبا .